ابن خلدون
40
رحلة ابن خلدون
وظل العنوان بهذه الصورة حتى بعد أن رحل ابن خلدون إلى الأندلس مرتين ، ثم ارتحل إلى مصر والحجاز والشام ، وأصبح ما جدّ من تجاربه في رحلاته الجديدة جزءا من حياته ، يجب أن يدونه ، وأن يضيفه إلى ما كان قد سجله قبل ففعل ، وعظم حجم الكتاب بما أضيف إليه من جديد الأخبار ، ولم يكن العنوان السالف الذكر من السعة والمرونة بحيث يشمل هذا الجديد الطارئ ، دون أن يدخل في صوغه تعديل تتضح معه الدلالة على مباحث الكتاب ؛ فحذف ابن خلدون أداة الإشارة « هذا » التي كانت واضحة الدلالة على تبعية هذا الجزء لكتاب « العبر » ، وأضاف إلى بقية العنوان الكلمات : « ورحلته غربا وشرقا » ، فكملت بذلك الصياغة الأخيرة للعنوان ، وأصبح : « التعريف بابن خلدون مؤلف الكتاب ، ورحلته غربا وشرقا » . ويلاحظ فيه ، وهو بصيغته الحالية ، عنصران بارزان : « التعريف » بالمؤلف ، و « رحلته » ، وكل منهما دال على معنى واضح في الكتاب . وتداول المؤرخون من بعد ابن خلدون كتابة هذا ، وكانت النسخ التي تقع تحت أيديهم مختلفة ، بعضها قديم واقع في آخر كتاب التاريخ تابع له ، وهو في هذه الحالة لم يتغير عنوانه بعد ، وليس بين كلمات عنوانه ما يدل على معناه غير كلمة « التعريف » ، فلم تكن لهم مندوحة عن تسميته عند النقل عنه ب « التعريف » ، وهي تسمية دعاهم إليها أن كلمة « التعريف » وضحت دلالتها على معنى الكتاب ، فكانت أحق من أخواتها بالاختيار . أما البقية من النسخ ، فقد كانت حديثة الصدور عن المؤلف ، عدل في عنوانها ، فأصبح من بين كلماته ما يصلح للدلالة على الكتاب وهو قوله : « ورحلته غربا وشرقا » ، فاختار الذين نقلوا عن هذه المجموعة من النسخ أن يسموا هذا الكتاب « رحلة » لابن خلدون ، وكان لهذه التسمية حظ غير قليل من الذيوع في العصر الأخير على الرغم من أنها تسمية لم تعرف - فيما أعلم - قبل سنة 1005 ه ؛ فقد نقل عنه أحمد بابا السوداني في كتابه « نيل الابتهاج بتطريز الديباج « 14 » » على أنه « رحلة » لابن خلدون . وفي سنة 1006 ه كان العالم التركي أويس بن محمد المعروف
--> ( 14 ) انظر ص 248 من نيل الابتهاج طبع مصر سنة 1351 ه